في عالم ذي موارد محدودة، وعدد سكان يتزايد يوما بعد يوم مع التحديات الاقتصادية المتتالية؛ يظهر سؤالٌ مصيريٌّ في الأفق: هل سيكفينا الغذاء الموجود على كوكب الأرض؟ أم سنضطر للتَّصارع على لقمة العيش حتى النهاية؟هنا يتدخل العلم ليعيد رسم المشهد؛ حيث يشهد قطاع الغذاء تحولاً جذرياً بفضل التقنيات الحديثة.هنا يأتي دور اللحوم المصنعة مخبرياً، فهل ستتقبل ذائقتنا البشرية شريحة لحم نبتت في أنابيب الاختبار؟
ما هي اللحوم المصنعة مخبريا؟
اللحوم المصنعة مخبريا: هي نوع من اللحوم يتم انتاجه بواسطة تقنية الزراعة الخلوية للخلايا الجذعية (stem cells) الخاصة بالحيوانات.
تتم هذه العملية من خلال أخذ عينة من الخلايا الجذعية الموجودة في لحوم الحيوانات (دون قتلها) وزراعتها في "مفاعلات حيوية" توفر لها الدفء والأكسجين والعناصر الغذائية المختلفة مثل:(الأحماض الأمينية، الجلوكوز، المعادن والفيتامينات)، لتنمو وتتكاثر تماما كما يحدث داخل جسم الحيوان.
يجب توضيح أن هذه اللحوم حقيقية تماماً وليست بروتيناً نباتياً مثل الصويا؛ فهي تتكون من نفس الخلايا الحيوانية.
يفضل العلماء تسمية هذه اللحوم "باللحوم المستزرعة" (Cultivated Meat) لتمييزها عن اللحوم التقليدية.
لماذا نبحث عن البدائل؟
ظهرت الحاجة في عصرنا الحديث لبدائل اللحوم وذلك لعدة أمور:
البصمة البيئية: نتيجة الانتاج المكثف للحوم والمزارع العملاقة المصممة لمثل هذا الأمر زادت نسبة الغازات الدفيئة في الجو مثل غاز الميثان. حيث أن إنتاج اللحوم التقليدية مسؤول عن حوالي 14.5% من انبعاثات الغازات الدفيئة عالميا. هذا يؤدي لزيادة الاحتباس الحراري الذي يدمر غلافنا الجو وطبقة الاوزون وبالتّبعيّة يؤدي إلى تدمير كوكبنا الجميل ببطء.
استدامة الغذاء: مع توقع وصول عدد سكان الأرض إلى 10 مليار نسمة بحلول عام 2050، لن تكفي الطرق التقليدية لتوفير الغذاء للجميع وتحقيق الأمن الغذائي، وهنا تصبح هذه التقنية ضرورة لا رفاهية.
حيث أن استخدام هذه التقنية سيقلل من استخدام الأراضي بنسبة 99% والمياه بنسبة 90%.
حقوق الحيوان: بسبب الطلب الضخم على المنتجات الحيوانية؛ ظهرت مصانع ومزارع لتلبية هذا الطلب. لكن كان هذا على حساب الحيوانات نفسها؛ حيث تم تدمير البيئة التي تعيش فيها تلك الحيوانات، وتعريضها لشتى انواع الألم والمعاناة والتسمين المبالغ فيه من أجل زيادة الانتاج فصارت حياة الحيوانات المخصصة للاستهلاك معاناة مستمرة لا تنتهي حتى يتم ذبحها وتقديمها أمامك على رف السوبر ماركت.
هل يختلف الطعم؟
لا شك ان أحد التحديات الأساسية التي واجهها العلماء خلال صناعة اللحوم في المختبر هو إنتاجها بهيئة وطعم مشابه للطعم الأصلي.
عندما تنتج الخلايا الجذعية اللحم فإنها تنتجه على هيئة لحم مفروم؛ لذا استعان العلماء ب"سقالات" (Scaffolds) صالحة للأكل لتنمو عليها الخلايا وتعطي القوام المطلوب.
كما قام العلماء كذلك بدمج خلايا دهنية مصنعة في المختبر مع الخلايا العضلية الخاصة باللحم لضمان النكهة والعصارة التي يفضلها المستهلك في الغذاء الحيواني.
لذا بشكل أساسي فطعم اللحوم المصنعة مخبريا مشابه للطعم الأصلي للحوم التقليدية مما يعطيها ميزة كبيرة في المستقبل القريب.
.
الفوائد الصحية
تتميز اللحوم المصنعة مخبريا عن اللحوم التقليدية ببعض الفوائد الصحية المهمة مثل:
1- البيئة المعقمة: ذلك لأن إنتاج هذه اللحوم يتم في بيئة مخبرية معزولة تماما على عكس المزارع، مما يعني انعدام خطر بكتيريا "السالمونيلا" أو "الإي كولاي".
2-خلو من المضادات: حيث لا يحتاج العلماء لحقن الخلايا بمضادات حيوية، مما يحل مشكلة عالمية كبرى في أمن الغذاء وهي " مقاومة المضادات الحيوية".
3- عدم الحاجة للهرمونات: لا يتم حقن هذا النوع من اللحوم بهرمونات التسمين المسببة للسرطان أو التي تجعل اللحوم غير صالحة للاستهلاك الآدمي، وتجعل طعمه أشبه بإطار سيارة.
مما يعني أنه مقارنة باللحم التقليدي قد يكون طعم هذا اللحم الصناعي أفضل من تلك التي تحتوي على هذه الهرمونات بعشرات المرات.
4- عدم الحاجة لقتل الحيوانات: الحيوانات هي مخازن حية لنقل الأمراض، وعند عدم الحاجة لقتلها واستعمال لحمها بشكل مباشر؛ يحمينا هذا من غالب العدوى الممكنة منها وتجنب الأمراض المعدية مثلما حدث في عدوى فيروس كورونا حيث جاء من تناول لحم الخفاش مباشرة.
التحديات والواقع
برغم النجاح المُبهر والتطورات الكبيرة في هذه الصناعة الناشئة، إلا أنها ما زالت تواجه العديد من التحديات في طريق الانتشار حول العالم وجعلها خيارا متاحا واقعيا في عالمنا المعاصر.
من هذه التحديات:
تحدي السعر: سعر قطعة اللحم المصنعة مخبريا مرتفع بشكل كبير حيث في عام 2013، كانت تكلفة أول برجر مخبري 325 ألف دولار! اليوم انخفضت التكلفة كثيرا لكنها ما زالت مرتفعة جدا مقارنة بمتطلبات السوق مما يعوق الانتاج الضخم لهذه اللحوم.
الموافقات الدولية: اللحوم المستزرعة ما زالت شيئا يصنع في المختبر، لذلك حتى الآن يتم إجراء العديد والعديد من الاختبارات عليها للتأكد من أنها تصلح للإنسان.
كانت سنغافورة هي السبّاقة عالميا في اعتماد بيع اللحوم المستزرعة، تلتها الولايات المتحدة الأمريكية (عبر موافقة ال FDA لشكرتي Upside Foods و Good Meat).
مما يعني أن هذا النوع من الغذاء بدأ يخرج من المختبر إلى قائمة الطعام الحقيقية، حتى لو كان
الأمر بطيئا إلا أنه يتقدم بثبات.
القبول المجتمعي: لا يزال هناك العديد من الأشخاص في المجتمع يؤمنون أن هذا النوع من اللحوم لن يعوض أبدا عن اللحم الحقيقي وطعمه المميز مما سيجعل اللحم التقليدي نفسه يصبح سلعة غالية الثمن جدا ويظهر له سوق سوداء في المستقبل.
كما ويعتقدون أيضا أنه إن كان يمكن صنعه في المختبر فحينها يمكن تعديله أو تسميمه ووضع أشياء ضارة فيه بقدر ما يريد الناس في السلطة أو حتى سوء إنتاج في المعامل، وهذه قد تكون مجرد نظرية مؤامرة لكنها وجهة نظر يجب أخذها في الاعتبار.
الجانب الأخلاقي والديني
الجانب الديني: لم يقف الفقه الإسلامي مكتوف الأيدي أمام ثورة الغذاء القادمة؛ حيث هناك نقاشات مستمرة حول كون هذه اللحوم "حلال" ام لا.
الرأي الراجح حاليا يشترط أن تكون الخلايا الأصلية مأخوذة من حيوان ذُبح بطريقة شرعية أو من حيوان يؤكل لحمه دون إيذائه.
يشترط كذلك ألا تُستخدم في نمو هذه الخلايا مواد محرمة.
الجانب الأخلاقي: هذا النوع من الغذاء ينهي الحاجة لتربية وذبح ملايين الحيوانات سنويا وجعلها تعاني في بيئة غير بيئتها وأماكن لا تصلح لمعيشتها، وهو ما يلقى قبولاً كبيراً لدى المنظمات الحقوقية.
نهاية الحديث، يبدو أن مفهوم الغذاء على وشك أن يتغير بشكل لم يشهده التاريخ البشري من قبل. فما كان يُعتبر بالأمس ضربا من الخيال العلمي أصبح اليوم حقيقة تفرضها الأرقام وتحديات المناخ المتتالية. إن اللحوم المصنعة مخبرياً ليست مجرد ابتكار علمي عابر، بل دعوةٌ جادة لإعادة التفكير في علاقتنا مع كوكبنا ومع ما نضعه على موائدنا.
وبين أصالة الأطباق التقليدية التي ترتبط بوُجداننا، وابتكار العلم الذي يضمن بقاءنا، يظل أمن الغذاء هو البوصلة التي توجهنا نحو المستقبل.
والآن بعد أن تعرفت على القصة من الداخل، أخبرني برأيك عزيزي القارئ:" هل أنت مستعد لتجربة هذا النوع من الطعام، أم أنك تفضل البقاء على ما هو تقليدي؟"

تعليقات
إرسال تعليق